
من قلب القارة الإفريقية وفي العاصمة التوغولية لومي، وعلى وقع التحولات المتسارعة التي تشهدها القارة الإفريقية، برز رئيس الجمعية الوطنية الموريتانية، محمد بمب ولد مكت، خلال مشاركته في المؤتمر السابع عشر لرؤساء البرلمانات الإفريقية، حيث أجرى مباحثات مهمة مع نظيره الإيفواري، باتريك آشي، حملت أبعادًا تتجاوز الإطار البروتوكولي المعتاد.
وقد شكّل هذا اللقاء محطة بارزة في مسار العلاقات بين موريتانيا وكوت ديفوار، حيث اتفق الجانبان على ضرورة الارتقاء بالتعاون البرلماني من مستوى التنسيق إلى مستوى الشراكة الفعلية، من خلال تعزيز تبادل الخبرات وتكثيف التشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية. كما تم التأكيد على أهمية تفعيل الدبلوماسية البرلمانية باعتبارها أداة محورية لدعم الأمن والاستقرار والتنمية في القارة.
ويأتي هذا التقارب في سياق ديناميكية متصاعدة تعرفها العلاقات الثنائية، مدفوعة بتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية، وبدعم من آليات التعاون المشتركة بين البلدين. فقد شهدت نواكشوط في يوليو 2025 انطلاق أولى جولات المشاورات السياسية، والتي أسفرت عن توقيع اتفاقيات مهمة، من بينها تعزيز صادرات المواشي الموريتانية إلى السوق الإيفوارية، وفتح مجالات تعاون واعدة في قطاعي الصيد والبنية التحتية البحرية.
ولا يمكن النظر إلى ما جرى في لومي باعتباره لقاءً عابرًا، بل يمثل تحركًا استراتيجيًا يعكس تحولات أعمق في طبيعة العمل الدبلوماسي داخل القارة، حيث لم تعد الدبلوماسية مقتصرة على الجهاز التنفيذي، بل أصبحت البرلمانات فاعلًا أساسيًا في صياغة التوجهات وبناء الشراكات.
وفي هذا الإطار، تعكس التحركات الموريتانية توجهًا واعيًا نحو تعزيز حضورها داخل الفضاء الإفريقي، من خلال اختيار شركاء ذوي ثقل اقتصادي، مثل كوت ديفوار، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصاد الوطني ويدعم فرص التكامل الإقليمي.
غير أن التحدي الأساسي يظل في ترجمة هذه الديناميكية إلى نتائج ملموسة تنعكس إيجابًا على حياة المواطنين، إذ لم يعد كافيًا الاكتفاء بتوقيع الاتفاقيات، بل أصبح من الضروري ضمان تنفيذها وتحقيق أثرها الفعلي.
وفي ظل تسارع وتيرة التحالفات داخل القارة، يبدو أن موريتانيا ماضية في ترسيخ موقعها كشريك فاعل، مدركة أن التموقع الاستراتيجي داخل إفريقيا لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها معطيات المرحلة.
كمال اعل طالب
المدير الناشر لموقع الساعة انفو ومنصة الساعة الاخبارية


إضافة تعليق جديد